فضائل القرآن الكريم وأحكام تلاوته: دليل شامل للآداب والبركات ومقدار القراءة

مصحف شريف مفتوح مع مسبحة خشبية على خلفية خضراء تعبيرا عن فضائل القرآن الكريم
تجسيد لبركة كتاب الله وأهمية التمسك بآداب التلاوة والذكر.مصدر الصورة:unsplash

إن القرآن الكريم هو كلام الله الخالد المعجز، وفضله على سائر الكلام كفضل الله جل وعلا على خلقه؛ فهو أفضل ما تحرك به اللسان، ونور القلوب، وربيع الأرواح. لا تقتصر بركة هذا الكتاب العظيم على مجرد تلاوته، بل تمتد لتشمل الماهر به، والمُعلم له، والجامع لآياته في صدره، وحتى الوالدين اللذين ينشئان أبناءهما على حب كتاب الله. وفي هذا الدليل الإيماني والشامل، سنستعرض مفصلاً فضائل تعلم القرآن وتلاوته، وآداب القراءة التي ذكرها العلماء، وأفضل الطرق لتنظيم الورد اليومي دون هجر أو تفريط.

أولاً: فضائل تعلم القرآن الكريم وتلاوته

وردت في السنة النبوية المطهرة نصوص كثيرة تبين عظمة الأجر المترتب على الإقبال على كتاب الله تلاوةً وتحفيظاً ومدارسة، ومن أبرز هذه الفضائل:

1. أجر تعلم القرآن وتعليمه

يُعد تعليم كتاب الله وتعلمه من أعلى مراتب الخيرية في الأمة الإسلامية؛ فقد قال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (رواه البخاري). فالمعلم والمتعلم يتقاسمان أجور فتح القلوب واستنارة العقول بكلام الله.

2. أجر القراءة ومضاعفة الحسنات

القراءة المجردة لحروف القرآن تُكسب العبد أجوراً مضاعفة لا مثيل لها؛ قال النبي ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» (رواه الترمذي). وقد أشار الإمام ابن رجب الحنبلي إلى أن مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها أمر لازم لعموم قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. أما الزيادة على العشر فقد تصل إلى سبعمائة ضعف أو أكثر بحسب خشوع القلب والتدبر والفهم أثناء القراءة.

3. فضيلة حفظ القرآن والمهارة بتلاوته

تتفاوت منازل القراء في الجنة بحسب حفظهم وإتقانهم؛ فقد قال النبي ﷺ: «المَاهِرُ بِالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» (متفق عليه). كما ورد في الأثر أن درجات الجنة بعدد آي القرآن؛ فيقال للقارئ يوم القيامة: «اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا» (رواه الترمذي).

وقد علق الإمام الخطابي رحمه الله على هذا الحديث موضحاً أن عدد درج الجنة على قدر عدد آي القرآن؛ فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءاً منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك.

4. أجر من تعلم ولده القرآن الكريم

يمتد بركة القرآن إلى الوالدين اللذين حرصا على تربية أبنائهما على كتاب الله؛ قال النبي ﷺ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ بِهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجًا مِنْ نُورٍ ضَوْءُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لاَ يَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا». فيتساءل الوالدان بذهول: "بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟"، فيقال لهما: "بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ".

5. الشفاعة العظمى لأصحاب القرآن

يكون القرآن حجة وشافعاً لصاحبه في أحلك الأوقات يوم القيامة؛ قال النبي ﷺ: «اقْرَءُوا القُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» (رواه مسلم). وقال ﷺ أيضاً: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه أحمد والحاكم).

6. بركة الاجتماع على تلاوته ومدارسته

إن مجالس القرآن هي مجالس تنزل السكينة وحف الملائكة؛ قال النبي ﷺ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (رواه أبو داود).

ثانياً: آداب قراءة القرآن الكريم

ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله وغيره من أهل العلم مجموعة من الآداب الرفيعة التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها عند إقباله على تلاوة كتاب الله، وأبرزها:

  • الطهارة ونظافة الفم: ألا يمس القرآن إلا وهو طاهر، وأن يستاك بالسواك أو ينظف فمه قبل التلاوة.
  • حسن اللباس واستقبال القبلة: أن يلبس أحسن ثيابه ويتجه نحو القبلة أثناء القراءة إن أمكن.
  • القطع عند التثاؤب: أن يمسك عن القراءة إذا أدركه التثاؤب احتراماً لكلام الله.
  • عدم قطع التلاوة بالكلام الفارغ: ألا يقطع القراءة بالكلام الدنيوي إلا للحاجة الضرورية.
  • حضور الذهن والتدبر: أن يكون حاضر الذهن، فيسأل الله عند آية الرحمة والوعد، ويستعيذ به عند آية العذاب والوعيد.
  • صيانة المصحف: ألا يضع المصحف منشوراً ولا يضع فوقه شيئاً احتراماً لمكانته.
  • تجنب رفع الصوت المؤذي: ألا يجهر القراء على بعضهم في القراءة، وأن يبتعد عن القراءة في الأسواق وأماكن اللغط والتشويش.

ثالثاً: كيفية القراءة الصحيحة والتمهل

تقتضي التلاوة الصحيحة إعطاء الحروف حقها ومستحقها بعيداً عن العجلة والسرعة؛ فقد سُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن قراءة النبي ﷺ، فقال: «كَانَتْ مَدًّا». ثم قرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» يُمُد ببسم الله، ويُمُد بالرحمن، ويُمُد بالرحيم (رواه البخاري).

لذا ينبغي للقارئ أن يتمهل ويلفظ الكلمات بصوت يُسمع به نفسه دون أن يشوش على الآخرين.

رابعاً: مقدار القراءة وحكم ختم القرآن

كان لصحابة رسول الله ﷺ هدي واضح في تحديد أورادهم اليومية؛ حيث كانوا يجعلون لأنفسهم نصيباً محدداً من القرآن كل يوم. ولم يداوم أحد منهم على ختمه في أقل من سبعة أيام، بل ورد النهي النبوي عن ختمه في أقل من ثلاثة أيام لئلا يذهب التدبر.

وفيما يتعلق بالترجيح بين القراءة حفظاً أو من المصحف، نلخص ضوابط المفاضلة في الجدول التالي:

حالة القارئ الأفضلية الشرعية السبب والتوجيه
حضور القلب والتدبر من المصحف أشد القراءة من المصحف أفضل لجمع النظر والقراءة والتدبر معاً.
حضور القلب والتفكر بالحفظ أشد القراءة عن ظهر قلب أفضل لتحقيق مقصود التدبر والخشوع.
استواء الخشوع والتدبر في الحالتين القراءة من المصحف أفضل لزيادة أجر النظر في المصحف.

خامساً: وصية جامعة وتنبيه من هجر القرآن

احرص أخي المسلم على قضاء وقتك في قراءة القرآن، واجعل لنفسك قَدْراً يَوْمِيّاً ثَابِتاً لا تتركه مهما كانت الظروف؛ فقليل دائم خير من كثير منقطع. فإن غفلت أو نمت عن حزبك، فاقضه في اليوم التالي؛ فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ» (رواه مسلم).

وحذارِ أن تكون ممن هجروا القرآن الكريم، فإن الهجر يتخذ صوراً متعددة ينبغي الحذر منها:

  • هجر القراءة والاستماع: بترك تلاوته والإعراض عن سماعه.
  • هجر التدبر والتدريس: بالتلاوة السطحية دون فهم معانيه.
  • هجر العمل والامتثال: بعدم إحلال حلاله وتحريم حرامه.
  • هجر الاستشفاء والتداوي: بترك الاسترقاء بآياته والتداوي به من أمراض القلوب والأبدان.

إن النجاة والرفعة في الدنيا والآخرة مرهونة بمدى صلتنا بكتاب الله تعالى؛ فهو حبل الله المتين ونوره المبين. فلتجلس مع نفسك اليوم، ولتحدد وردك اليومي الذي تصابح به كلام ربك، مستحضراً هذه الفضائل والآداب، لتكون من أهل الله وخاصته الذين هم أهل القرآن.

تعليقات