المغاربة وبرامج رمضان
المغاربة وبرامج رمضان

مع كل حلول لشهر رمضان المبارك، تتصدر الأعمال الفكاهية والسيتكامات التلفزيونية المشهد الإعلامي في المغرب، لتتحول إلى محور رئيسي للنقاشات اليومية على موائد الإفطار وفي منصات التواصل الاجتماعي وأعمدة الصحف. ورغم الانتقادات الموسمية الحادة التي تطال المحتوى والجودة الفنية، تكرر الظاهرة نفسها سنوياً دون تغيير ملموس في الاستراتيجيات أو الآليات المتبعة في اختيار العروض. فما الذي يحدث خلف الكواليس؟ وكيف تُصنع هذه الأعمال التي تُثير الجدل كل عام؟

1. لعبة الأرقام وصراع الكعكة الإشهارية

تتكرر المشاهد ذاتها مع انطلاق شبكة البرامج الرمضانية؛ إذ يفضل قطاع واسع من الممثلين والمخرجين التواري عن الأنظار وتجنب النقاشات الصحفية أو تقديم تبريرات للجمهور حول مستويات الأعمال المقدمة. وبدلاً من ذلك، تُترك المهمة لأرقام تقارير قياس نسب المشاهدة ("ماروك ميتري") لتلعب دور "المتحدث الرسمي" و"المنقذ" الذي يُعتمد عليه للدفاع عن نجاح السلسلات.

أما على مستوى المنتجين وصنّاع القرار، فتتوزع المواقف داخل الكواليس إلى ثلاث فئات رئيسية:

  • الفئة الفائزة بالبرمجة: تدافع بشراسة عن القنوات ولجان الانتقاء، مفسرة أي نقد يوجه لأعمالها بأنه محاولة كيرية من منافسين لم يحظوا بحصة من شبكة البث.
  • الفئة المستبعدة: تكتفي بإثارة التساؤلات عبر وسائل الإعلام حول معايير الانتقاء وظروف توزيع الصفقات، مع الحرص الشديد على عدم تجاوز حدود الغضب لتجنب إغلاق الأبواب أمامها في المواسم المقبلة.
  • إدارات القنوات العمومية: تلتزم الصمت ومراقبة الأرقام وضمان تدفق العائدات الإشهارية التي تصنع الذروة المالية خلال أوقات الإفطار.

2. كواليس النصوص ودور لجان القراءة

رغم التعهدات والوعود المكررة بضرورة انتهاج أسلوب الاستباقية والتحضير المبكر لإنتاج شبكة رمضانية متكاملة وعالية الجودة، فإن الواقع الميداني يكشف استمرار عمليات التصوير والمونتاج خلال أيام الصيام، بل إن بعض الأعمال لا تحصل على تأشيرة البث إلا قبل أيام معدودة من بداية الشهر الفضيل.

وتشير شهادات وتقارير متفرقة لبعض المشاركين في لجان القراءة داخل القنوات العمومية إلى أن قرارات هذه اللجان تظل في كثير من الأحيان استشارية وغير ملزمة للإدارات التنفيذية. وفي حالات عدة، رُصدت برمجة أعمال سبق أن رفضتها لجان القراءة بسبب ضعف البناء الدرامي وطول المشاهد وغياب العقدة، ليتم إقرارها وتمريرها في وقت الذروة بمبررات ودواع مختلفة.

3. مأزق السيناريو وتكرار الأنماط الكوميدية

تعاني الكوميديا الرمضانية المغربية من إشكالية بنيوية تتمثل في إعادة استهلاك الشخصيات والوجوه ذاتها للأنماط المكررة، والاعتماد على لزمات لفظية وحركات جسدية مستهلكة لانتزاع الضحك. ويرى نقاد الفن أن النص التلفزيوني تحول في كثير من السيتكامات إلى مجرد "حائط قصير" يسهل القفز عليه عبر الارتجال المفرط والخروج غير المبرر عن المكتوب.

وتتجلى أبرز العيوب الهيكلية في كتابة وتنفيذ هذه السلسلات في النقاط التالية:

  • غياب التماسك اللغوي والفني: الاعتماد أحياناً على ترجمة نصوص مكتوبة أصلياً بلغات أجنبية إلى الدارجة المغربية بصورة ميكانيكية، مما يفقد المواقف الكوميدية هويتها وتلقائيتها.
  • الاستهانة بالبناء الدرامي: التركيز على النكتة السريعة والمواقف المنفصلة دون وجود خيط درامي يربط الشخصيات وتطور الأحداث.
  • استغلال الصور النمطية: التمادي في استخدام العاهات الجسدية أو السخرية من الأنماط الاجتماعية والمناطقية كوسيلة سهلة للإضحاك.

4. صراع الإعلانات وتحديات سوق الإنتاج

يُعد شهر رمضان المحطة الاقتصادية الأهم سنوياً للقنوات الوطنية للرفع من رقم معاملاتها الإشهاري وتغطية العجز المالي. وتشتد المنافسة على كعكة الإشهار في ظل تحولات جذرية يمر بها المشهد الإعلامي:

أولاً، تزايد الضغوط الناتجة عن تدفق المنصات الرقمية وقنوات البث الفضائي الشريكة التي أصبحت تجذب فئات واسعة من المشاهدين والمستشهرين في السوق المحلي والإقليمي. ثانياً، ظاهرة تناسل شركات تنفيذ الإنتاج الوسيطة التي تنافس للظفر بنسبة من ميزانيات دعم الإنتاج السمعي البصري، مع تسجيل تفاوت ملحوظ في توزيع الميزانيات بين الجوانب التقنية وأجور الممثلين وبين حقوق كتابة السيناريو ورعاية الأطر المتخصصة.

5. "الهاكا" ودور دفاتر التحملات

يتساءل الشارع المغربي دائماً عن دور الهيئات التعديلية مثل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ("الهاكا") في مراقبة جودة هذه الأعمال. وتوضح المساطر القانونية أن دفاتر التحملات لا تمنح الهيئة سلطة تقييم الجودة الفنية أو التدخل المسبق في اختيار الأعمال السيتكومية، بل تقتصر صلاحيتها على ثلاث زوايا رئيسية:

  1. مراقبة مدة الوصلات الإشهارية وضمان عدم تجاوز السقف الزمني المحدد لساعات الذروة.
  2. متابعة احترام الأخلاق العامة ومناهضة أي شكل من أشكال التمييز أو العنف أو الخطابات الجريحة.
  3. إصدار تقارير وملاحظات بعدها إلى القنوات في حال تسجيل خروقات، دون أن يصل ذلك إلى حد منع بث الأعمال أو تعديل السيناريوهات أثناء العرض.

6. ظهور المنصات الرقمية وتغير سلوك المشاهد

مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات الفيديو حسب الطلب (VOD) ومواقع التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وتيك توك وشاهد، لم يعد المشاهد المغربي رهيناً لما تقدمه الشاشة الصغيرة في وقت الإفطار. لقد فرضت هذه البدائل الرقمية تحدياً حقيقياً على الإنتاج التلفزيوني المحلي؛ حيث بات الجمهور يطالب بمحتوى أكثر احترافية ويملك خيارات لا حصر لها للمفاضلة والتعبير عن رأيه فوراً عبر تعليقات ومراجعات الفيديو التي تنتشر كالنار في الهشيم.

7. بين الترفيه وحق الجمهور في الجودة

في الختام، لا أحد يعترض على تقديم جرعة من الفكاهة والترفيه الخفيف عقب ساعات الصيام للتخفيف عن العائلات والمشاهدين، لكن الرهان الحقيقي يظل دائماً متمثلاً في احترام ذكاء الجمهور. إن الاستثمار المباشر في سيناريوهات متماسكة، وإعطاء الوقت الكافي للتحضير والتصوير، وتكريس مبادئ التنافسية الشفافة بين شركات الإنتاج، تظل كلها المداخل الأساسية للارتقاء بالكوميديا المغربية وتحويلها من مجرد مادة لملء الشبكة الرمضانية إلى إبداع فني يستحق المشاهدة والتقدير.